أبي حيان التوحيدي
271
المقابسات
من المحيط ، واستضاءة العقل من العقل الأول كاستضاءة العاشق من المعشوق وقد قال بعض الأوائل : لا يقال هذا حق ولكن يقال : هذا عدل بحق ، لان الحق أو العدل [ به ] وقد قيل لأفلاطون : فلان لا يعرف شيئا من الشر ؟ قال : فليس إذا يعرف شيئا من الخير « 1 » . قال : فهذا مكشوف ، لأنه يريد أن تكون الأمور متميزة عند الانسان الفاضل ، فإنه بعد تمييزها يختار منها ، وفيها ما يجب أن يجتنب ، وفيها ما ينبغي أن يكتسب . وإذا استعزت عليه ولم يوضحها التمييز بطل اختياره منها ، وإذا بطل اختياره منها خيف عليه الهلاك فيها . قال بعض الطبيعيين : الدليل على أن الفعل غير الفاعل وغير المفعول ، الصوت من اصطكاك الجرمين ، والنغم من اليد والوتر . وقال بعض الأوائل الطبيعة والعقل مكان النفس ، والباري محيط بكل ذلك ، وهو بكل مكان لا يخلو منه شئ ، وهو العالم بكل شئ ، لأنه علة كل شئ . ثم قال : وهذا على السعة المعروفة والمجاز المعتاد ، وإلا فقولك علم ويعلم وعالم ، خبر عن ضرب من ضروب الانفعال ، والباري لا انفعال له بوجه البتة وقال : قال بعض الأوائل : حدّ الشئ الصناعي خارج عنه ، وحد الشئ الطبيعي موجود فيه . قال : وإنما كان هذا لأن الصناعي يصدر عن ذي هيولى بأداة جسمية وآلة عملية ، والطبيعي يبرز عماله صورة نفسية بأداة روحية وآلة لطيفة . فالطبيعة من الآلهة ، لأنها تستملى عما فوقها وتملى على ما يتصل بها . وقال أيضا : قال سقراطيس : لو قبل الماء السكون لكان أرضا ، ولو قبلت الأرض الحركة لكانت ماء ، ولو كان الهواء حاد الزاوية لكان نارا ، ولو كانت النار منفرجة الزاوية لكانت هواء وسمعت أبا الحسن الحرّانى « 2 » يقول : قرأت في كتبنا ، يعنى كتب الصابئين : إذا أردت أن تكثر النحل في مكان فضع نحلة من ذهب واجعلها في سقف
--> ( 1 ) من المأثور عن عمر بن الخطاب أنه قيل له : فلان لا يعرف الشر ، فقال : أجدر أن يقع فيه ( 2 ) راجع ترجمته فيما سبق من هذا الكتاب ص 262